الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

189

نفحات الولاية

فتن الجاهلية بالحيوان الوحشي الذي يركل صاحبه بحافره . والذي يقف على رجليه ليدوس بها أدني حركة تبدو أمامه . أمّا تعبيره عليه السلام بالسنابك التي تعني طرف الحافر فهي إشارة لطيفة إلى حقيقة مفادها أنّ هذه الفتن لا تعرف الانكسار وهى باقية في إلقاء ضلالها الوخيمة على الناس ( لأن مثل هذه الحيوانات حين تقف على أطراف حوافرها إنّما تعلن عن تأهبها لابداء ردود الفعل العنيفة تجاه كل من يقف أمامها » . وعليه فقد كانت الأوضاع في ذلك الزمان على درجة من التعقيد والوخامة بحيث لم يعدّ هنالك من أمل في التغلب عليها . وهذا بالذات ما جعل الإمام عليه السلام يخلص إلى هذه النتيجة بالنسبة لما عليه الناس في ظل تلك الفتن « فهم فيها تائهون « 1 » حائرون جاهلون مفتونون » . تائهون إشارة إلى أنّهم قد ضلوا سبيل الحق بالمرة حتى نسوا أنفسهم وخسروا ذاتهم . حائرون إشارة إلى الحيرة التي سيطرت عليهم فسلبتهم حتى القدرة على اتخاذ القرار الذي من شأنه إنقاذهم من تلك الفتنة . جاهلون أي أنّهم وعلى فرض عزمهم على اتخاذ القرار لنجاتهم فانّ الجهل والتخبط سوف لن يدعهم يبلغون السبيل السليم . مفتونون إشارة إلى الأوهام والخيالات وإلّا لا عيب والحيل التي استهوتهم فجعلتهم يرون السراب ماءاً والمجاز حقيقة . وقد حصل كل هذا حين كان الناس في خير أرض ( في جوار بيت الله الحرام وديار الأنبياء العظام ) واسوأ جيران « في خير دار وشر جيران » « 2 » وأثر ذلك فقد أصبح « نومهم سهود « 3 » وكحلهم دموع » . والأدهى من ذلك أنّهم يعيشون في مجتمع لا يقيم‌زنا للعالم بما جعله يفقد قدرته على هدايتهم وإرشادهم بينما يخطى الجاهل في ذلك المجتمع بمكانة لا يحلم بها « بأرض عالمها ملجم وجاهلها مكرم » هنالك أربعة تفاسير أوردها شرّاح نهج البلاغة بشأنه قوله عليه السلام « في خير دار » فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بها مكة ( بيت اللَّه

--> ( 1 ) تائهون جمع تائه بمعنى الضائع . ( 2 ) ذهب البعض إلى أن الجار والمجرور في قوله « في خير دار » يتعلق بمفتونين ، والحال أن الأنسب أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره « والناس في خير دار » والجملة حال لعصر الجاهلية والواو في قوله وشر جيران هي واو المعية . ( 3 ) سهود مصدر بمعنى الارق وقلة النوم ( الصحاح ، المفردات ، لسان العرب والمقاييس ) .